التعليم عن بعد لا يعوّض ونقص السكن يهدد افتتاح المدارس

بيروت، 1 سبتمبر 2026 | The Verificat + وكالات 

مدارس تحولت من صفوف إلى مراكز إيواء

يقترب موعد انطلاق العام الدراسي في لبنان بينما لا يزال آلاف النازحين يقيمون في مدارس رسمية استُخدمت مراكز إيواء خلال الحرب، ما يضع وزارة التربية والبلديات والجهات الإنسانية أمام معادلة صعبة: إعادة الطلاب إلى الصفوف من دون ترك العائلات التي فقدت منازلها بلا بديل. ووفق تقرير لوكالة أسوشيتد برس نُشر في 31 أغسطس، لا يزال نحو 350 ألف شخص نازحين داخل البلاد، وبينهم قرابة 21 ألفاً يقيمون في مدارس عامة. وتخطط السلطات لبدء العام الدراسي في 15 سبتمبر، ما يجعل الأسبوعين المقبلين حاسمين لتحديد المدارس القادرة على استقبال الطلاب وتلك التي تحتاج إلى إخلاء أو تأهيل.

أكثر من 340 مدرسة تضررت

التحدي لا يقتصر على وجود نازحين داخل المدارس. فالتقرير يشير إلى أن أكثر من 340 مدرسة تضررت خلال الحرب بدرجات متفاوتة، ما يعني أن جزءاً من شبكة التعليم نفسها يحتاج إلى صيانة قبل استقبال الطلاب. بعض الأبنية تحتاج إلى إصلاحات أساسية تتعلق بالنوافذ والأبواب والكهرباء والمياه، فيما توجد مدارس أخرى في مناطق يصعب الوصول إليها أو قريبة من قرى ما زالت تشهد توتراً أمنياً. لذلك فإن إعادة فتح المدارس لا يمكن أن تعتمد على قرار إداري موحد، بل تحتاج إلى تقييم ميداني مدرسة بمدرسة.

التعليم عن بعد لا يعوّض ونقص السكن يهدد افتتاح المدارس

الأطفال يدفعون ثمن أزمات متراكمة

العام الدراسي الجديد يأتي بعد سنوات من الانقطاعات المتكررة التي بدأت بالأزمة الاقتصادية ثم جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت قبل أن تتفاقم مع الحرب. وتقديرات منظمات تربوية تحدثت خلال السنوات الماضية عن خسارة تعليمية واسعة بين الأطفال اللبنانيين واللاجئين. لذلك فإن أي تأخير إضافي لا يعني فقط فقدان أسابيع من الدروس، بل يوسع الفجوة بين الطلاب الذين يستطيعون الوصول إلى تعليم خاص أو رقمي وبين من يعتمدون بالكامل على المدرسة الرسمية.

التعليم عن بعد ليس بديلاً كاملاً

وزارة التربية تستطيع استخدام التعليم عن بعد في بعض المناطق، لكنه يبقى حلاً جزئياً. كثير من الأسر النازحة لا تملك حواسيب كافية أو اتصالاً مستقراً بالإنترنت، وبعضها يعيش في مساكن جماعية لا توفر بيئة مناسبة للدراسة. كما أن التعليم الإلكتروني لا يعوض بصورة كاملة التفاعل داخل الصف، خصوصاً لدى الأطفال الأصغر سناً. لذلك فإن نجاح أي خطة هجينة يتطلب أجهزة واتصالاً وتدريباً للمعلمين، وليس مجرد إرسال مواد عبر الهاتف.

إخلاء المدارس يحتاج إلى مساكن بديلة

المعضلة الإنسانية تظهر عندما تصبح إعادة المدرسة إلى وظيفتها التعليمية مرتبطة بإخراج عائلات لا تملك منزلاً صالحاً للعودة. بعض القرى الجنوبية تعرضت لدمار واسع، وبعض المناطق ما زالت تعاني من مخاطر الذخائر غير المنفجرة أو محدودية الخدمات. إذا نُقلت العائلات من المدارس من دون بديل مناسب، ستتحول المشكلة من أزمة تعليم إلى أزمة سكن. لهذا تحتاج الحكومة إلى تنسيق بين وزارات التربية والشؤون الاجتماعية والداخلية والبلديات، إضافة إلى المنظمات الدولية، لتأمين مراكز إيواء بديلة أو دعم إيجار مؤقت.

عودة الطلاب إلى مناطقهم ليست متساوية

قدرة الطلاب على العودة تختلف بحسب المنطقة. في بيروت وجبل لبنان وبعض مناطق الشمال والبقاع يمكن إعادة دمج النازحين في مدارس قريبة إذا توفرت المقاعد والتمويل. أما في القرى الجنوبية المتضررة، فالمشكلة أعمق لأن الطالب قد يحتاج إلى مدرسة بديلة بعيدة عن منزله الأصلي. هذا يرفع كلفة النقل ويزيد الضغط على مدارس لم تكن مصممة لاستقبال أعداد إضافية.

التمويل سيحدد سرعة التنفيذ

إعادة فتح المدارس تحتاج إلى أموال للصيانة والكتب والمحروقات والكهرباء والنقل ورواتب المعلمين. وفي ظل الموارد العامة المحدودة، ستكون الأولويات المالية موضوعاً أساسياً في الأسابيع المقبلة. أي تأخير في الاعتمادات قد يدفع الإدارات المدرسية إلى حلول مؤقتة، فيما يمكن للدعم الدولي أن يخفف جزءاً من الكلفة شرط أن يندمج ضمن خطة حكومية واضحة لا برامج متفرقة.

ما الذي يحتاجه الأهالي الآن؟

الأهالي يحتاجون إلى جدول واضح يحدد وضع كل مدرسة: هل ستفتح في موعدها، هل ستستقبل طلاباً نازحين، وهل ستعمل بدوام كامل أو جزئي. الغموض يجعل الأسر عاجزة عن ترتيب النقل والكتب والعمل. نشر لوائح محدثة لكل قضاء سيقلل الارتباك، ويساعد المدارس الخاصة والرسمية والمنظمات على توزيع الطلاب بصورة أكثر توازناً.

اختبار لقدرة الدولة على الجمع بين حقين

المسألة في جوهرها اختبار لقدرة الدولة على حماية حقين في الوقت نفسه: حق النازحين في مأوى آمن وحق الأطفال في التعليم. وضع أحد الحقين في مواجهة الآخر سيقود إلى حلول ناقصة. أما الخطة الأكثر استدامة فتبدأ بتوفير بدائل سكن للعائلات، ثم تأهيل المدارس، ثم معالجة الفاقد التعليمي عبر برامج دعم خلال العام. نجاح هذا المسار سيحدد ما إذا كان سبتمبر بداية عودة إلى انتظام المؤسسات أم امتداداً لحالة الطوارئ.

الأولوية للمعلومة الدقيقة والمتابعة

حتى موعد افتتاح المدارس، ستبقى الأرقام قابلة للتغير مع عودة بعض العائلات وانتقال أخرى. لذلك من الضروري أن تُحدّث وزارة التربية ووزارة الشؤون الاجتماعية البيانات بصورة دورية وأن تفصل بين عدد النازحين الإجمالي وعدد المقيمين فعلياً داخل المؤسسات التعليمية. هذه الشفافية تساعد على توجيه الموارد وتمنع تضخيم الاحتياجات أو التقليل منها. كما تسمح للرأي العام بقياس التقدم الفعلي بدلاً من الاكتفاء بالإعلانات العامة.

Exit mobile version